الهوّة في صدري

غرفة الطواريء – صيف ٢٠١٦ 🍂

الوحده ليست مُخيفه إن تقبلتها ، و ليست إختيارية أيضاً .. فأنت وحيد دائماً رغماً عنك و إن أحطت نفسك بكلّ هؤلاء ، أنت متوحّد في ذاتك مهما حاولت المشاركة و الإندماج و إقناع نفسك بأنك لست وحيد في هذا العالم الكبير المُخيف ، صاحب من تصاحب ، تزوج من تتزوج ، تحدث مع من تريد .. تجاهل صوت الخواء بداخلك ما شئت ، و لكنّك حتماً ستبقى وحيداً ، لأن الوحده ليست حاله عابرة .. و لا خيار يمكنك تجاهله ، بل هي حقيقة الوجود المرير على هذه الأرض و تحتها .

حتى في آلامك ، أحِط نفسك بمن تريد .. لا أحد منهم سيشعر بما تشعر به ، لن يشاركك الألم و لكنه سيشفق عليك .. سيساعدك لنسيان ما بك للحظات ، و ما إن يعود ليتوحّد في ذاته ولو لدقائق من الصمت او النوم او الركض خلف حياته .. ستعود أنت متوحداً في ذاتك أيضاً ، بكل مافيك من ألم و إحتياج ، لأنه لا مفرّ من نفسك إلا إليك .

كنت أنتظر تلك التجربة الّتي ستكون برهاناً قاطعاً لقناعتي هذه ، و في أحد أيام تدريبي كطالبة لازلت في السنة الرابعه .. جاءت “جَدّه آمنه” برهاناً .

كنت في غرفة الإنعاش بعد وفاة ذلك الطفل ، الذي كان جسده هامداً على السرير ١٣ .. و الذي لم أستطع أن أذرف دمعةً واحده عندما رأيته لا لأني لم أتعاطف ، بل لأن برودة جسده الصغير تسلّلت إلى قلبي و جعلته هامداً للحظات حتى أزحت الستار عن ذلك السرير مرّة أخرى ، لكنّه لم يكن هناك ، بل و كأن الوقت هَروَل مسرعاً في تلك الخانه من الغرفة ، و بدلاً من طفل رضيع ممدد على سرير أبيض .. كانت سيّده مسنّه .

بدأت برفع يديها بإتجاهي تارة و تشير إلى قناع الـ Cpap الذي يغطّي نصف وجهها تارة .. بصوتٍ مختنق تحت ذلك القناع المعروف بضغطه الشديد و إنغلاقه المُحكم .

لم ألحظ شيئاً يُثير عواصف عقلي كالعادة و إنما هرعت إليها محاولةً فهم ماتريد .. كانت تريد منّي أن أزيل القناع لسببٍ ما ، و إذا ما أزلت القناع فإنها ستجد صعوبة في التنفس أيضاً .. لكنني قررت إزالته للحظات حتى أتبيّن ما تريد .

أنفٌ قد تشوّه من شدّة ضغط القناع الذي لن تستطيع العيش من دونه ، كدمه زرقاء مؤلمه .. و ابتسامه على وجهها رغم ذلك .. ابتسامه جعلتني أتعرّف عليها رغم ملامحها المختلفه عن ملامحها الّتي رأيتها قبل يومين ، هذه الإبتسامه الّتي رسمتها يومها على وجهها بينما تتناول قطع خبزٍ قائلةً لنا : جوعانه شوي يا بناتي ..

نعم هذه إبتسامة “جدّه آمنه” و لكن بوجهٍ مُختلف .

كانت تقول لي بصوت متقطّع و مألوف لدى مرضى إنسداد الشعب الهوائيه ، أن القناع مُحكم الإغلاق ، و أنفها يؤلمها و لا تستطيع تحمل ذلك ..

بدأ تشبع الأوكسجين لديها بالتناقص فأبقيت القناع هناك معلقاً بين يديّ و ووجهها الأبيض اللطيف ، لا أعلم إلى متى كنت أنوي الوقوف هناك ممسكة بالقناع بيديّ !

و لا أعلم لم بدأت أعصف بنفسي كالعادة ، ابنتها تنام على الارض بجوارها ، و ابنها قد ذهب قليلاً خارج الغرفة ليستنشق بعض الهواء .. أنا كنت اتجوّل باحثةً عن إشباع فضولي خلف هذه الستائر ، كلٌّ في فلكه ، و هي هنا في فلكِها كانت تعاني وحيده .. خلف هذا القناع .. لا أحد يسمعها و لا تستطيع الحراك بالرغم من أنها مُحاطه بأبنائها حولها .. و لكنها ما زالت وحيده ، عندها بدأت أدرك حجم الفجوة الكبيره بيننا جميعاً .. و مدى وَهن أواصرنا .. و أننا نركض جميعاً لنحصل على أصدقاء ، لنبقى على تواصلٍ مع الأهل ، نحب و نتزوج و نُنجِب حتى لا نبقى وحيدين ، متوهّمين أننا سننجو ، عندها فقط أدركت أن هذه الحقيقة ليست إلا وهم ، و انفجرت بالبكاء .. هربت إلى وحدتي ، أبكي إدراكي لهذه الحقيقة في عمرٍ مبكّر .. لم أكن أريد أن أمتلك هذا النوع من الإدراك الآن ، هذا مبكر جداً و عظيم جداً و لا أستطيع تحمّله ، كإدراك جرو كافكا الصغير الذي جعله ينغمِس في أبحاثه بأسف ! بكيت حتى خِلتُ أن رئتيّ ستخرج من حنجرتي و تركض لتستقرّ في صدر تلك الجدّه .. و لكنّنا متوحّدون في ذواتِنا .. أنا و هي و أنت ..

كما قال إميل سيوران يوماً :

” هؤلاء الذين يطلبون أن يحاطوا بالأصدقاء وهم يحتضرون عاجزون عن عيش لحظاتهم الأخيرة مع أنفسهم. يريدون نِسيان الموت في لحظة الموت! يفتقرون إلى الشجاعة اللانهائية. لمذا لا يقفلون الباب ويقاسون تلك الأحاسيس المُغيظة بضفاء وخوف يتجاوز كل الحدود؟! نحن معزولون عن كل شيئ! لكن أليس كل شيئ متاحاً لنا بالتساوي؟

الموت الطبيعي والأعمق هوالموت في العزلة,عندما يصبح حتى الضوء مبدئاً للموت.في لحظات كهذه نكون مفصولين عن الحياة,عن الحب,الأصدقاء,وحتى عن الموت! وستسأل نفسك هل هناك شيئ وراء لا شيئية العالم,وخلف لاشيئك الخاص ؟”

” نحن وحيدون في الحياة إلى حد أننا لا بد من أن نسأل أنفسنا- أليست وحدة الإحتضار هي رمز الوجود البشري!”

نعم متوحّدون في ذواتنا ، و داخل أجسادنا .. تفصلنا فجوة العَجز العملاقة !

و منذ ذلك اليوم ، أعيش بهوّةٍ كبيرة داخل صدري أعتقد أنها نتاج إستفراغ كل تلك الدموع .. تصدر أزيزاً يبدو لمن يسمعه أنه يقول “كُلُّنا وحيدون” ..

رأي واحد حول “الهوّة في صدري

  1. أحتاج أتفكر أكثر قبل اترك تعليق. كلامك حسسني بالذنب والحزن بس لسه فيه كلام احتاج وقت علشان راتبه و اكتبه لك واحتاج افهمه انا أولاً

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا على أمل إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه:
search previous next tag category expand menu location phone mail time cart zoom edit close